بقلم نجلاء الخضراء

تستمد الأغنية الشعبية أشكالهما الفنية من الإنتاج الأدبي والاجتماعي والفكري للأمة العربية إضافة إلى كونه يستمده من تجارب الحياة فلا تخلو أغنية أو أنشودة شعبية من قصة أو مثل أو حركة وهي تدل على مستوى التفكير لدى الطفل وطموحاته وحاضره وأمانيه الآنية والمستقبلية.

إن عملية الإبداع الأدبي عملية جماعية فلا يعرف نص ويعرف قائله إلا فيما ندر فالأدب الشعبي يعبر عن فكر جماعي ويفصح عن الواقع وهو الأكثر تسجيلاً .

اشتملت الأغنية الشعبية على مادة غنية متصلة بالأطفال ومناغاتهم وأخرى عبرت عن حبهم والتعلق بهم وثالثة اتصلت بالتميز بين الفتى والفتاة ورابعة تحدثت عن الوصايا لهم وخامسة نقلت مشاعر الآباء تجاه الأبناء وهم بعيدون عنهم وسادسة تناولت ما يتمنى الأب أن يكون عليه ابنه وأخرى تحدثت عن لوعتهم وحسرتهم عند فقدهم. تقول فاطمة الزهراء في ترقيص ابنها الحسين:

ان ابني شبه النبي            ليس شبيهاً بعلي

هكذا خاطب الأدب الشعبي الطفل منذ أن كان صغيراً فتراوحت الأنغام واختلفت، من الهادئة عند النوم إلى الأنغام المتواترة السريعة في أوقات اللعب والطعام، أما المضمون فغالباً ما حملت تلك الأغاني مضموناً دينياً عقائدياً حملت أدعية التحصين والحماية وأساليبها والصلاة على النبي وبعضها تضمن كلمات الإعجاب والحب طالبة بها تهدئة نفس الطفل وراحته أو أنها حملت كلمات المداعبة بأساليب اللعب وتسلية الطفل.

نام ياامّا نام     تاجبلك طير الحمام

وأغاني الألعاب مثل:

يا قريمشة يا قريشمه                     يا حبة المنيمشة

بعتتني معلمتي                         اشتري كوز البصل

أغاني الغزل والاستحسان:

اسمر وخدوده عنبر                    يا عيني عليه

وجبينه هلال                           يا عيني عليه

ووجه بيحلالي                            يا عيني عليه

أغاني الصلاة عالنبي:

يا زايرين النبي                           حول النبي صلوا

من هيبتك يا نبي                         الكافرين ولوا

من هيبتك يا نبي                        باض الحمام بالغار

من هيبتك يا نبي                         وانكسروا الكفار

تميزت الأغنية الفلسطينية بعدة مميزات فكان من شأنها أن تصقل شخصية الطفل الفلسطيني وتدعم ثقافته وتعطيه شحنة قوية من الثقة بالنفس والقوة وهي تساعده أيضا في الاستيعاب السريع، واستخدام التلميحات اللفظية، فهي أغاني ضاربة في عمق المكان شهدت على العلاقة الوثيقة بين الشعب الفلسطيني والمكان والنشاط الذي كان يمارس أثناء ترديد تلك الأناشيد والأغاني سواء كانت وطنية أو قومية الاجتماعية يعبر من خلالها عن أفراحه وأتراحه بمشاعر صادمة جياشة. كما أنها شاهد على الخصوصية التاريخية والديمغرافية منذ بدايات السكن في فلسطين.

ويساهم اللحن المصاحب للأغنية في تكوين الأغنية ويعد عامل فاعل في تقوية الذاكرة وتجديدها لدى الأجيال الحديثة خاصة ما تناول منها المضمون النضالي الذي كان مسير على مجمل الأغاني الشعبية الفلسطينية أو ما سيطر عليه موجة الحزن والألم والبعد والغربة عن الوطن .

صاحبت الكثافة في التعبير الكنعاني الذي صاحب الرقص والموسيقى في كثير من تفاصيل الحياة الاجتماعية وكان هذا احدى الدلالات لدراسات الانثربولوجيا المقارن على تأصيل هذه الأجواء الثقافية من خلال عدة قرون من الوجود الحضاري. فكانت من أهم تلك القوالب الموسيقية الميجانا والعتابا والدلعونا والجفرا… الخ كانت تلك القوالب مشابهة لغيرها من النغمات والأغاني خارج فلسطين خاصة في بلاد الشام إلا أنها وبعد النكبة حملت مضامين المقاومة وحملت نصوص مستحدثة عبرت عن شعور الفلسطيني تجاه المرحلة الجديدة وأصبحت تغنى في المناسبات:

يرجع بعض الباحثين إلى أن الشاعر نوح إبراهيم هو الأسبق في مضمار الشعر الشعبي الفلسطيني المقاوم وهو الذي كتب قصيدة الرثاء المشهورة لشهداء الثلاثاء الحمراء

من سجن عكا طلعت جنازة                     محمد جمجوم وفؤاد حجازي

جازي عليهم يا شعب جازي                      المندوب السامي وربعه عموماً

صاحبت تلك الأناشيد المغناة الموسيقى وحركات راقصة محترفة تسمى الدبكة وهي جزء لا يتجزأ من الأغنية الشعبية الفلسطينية بدأت معها منذ غابر الأزمان وأسهمت معها في الإشارة إلى أصالة الشعب الفلسطيني وتجذره بأرضه.

تبدأ الدبكة بدخول الراقصين إلى الساحة متشابكي الأيدي للدلالة على عمق الوحدة ثم تبدأ حركاتهم ببطيء كدلالة على بداية الحياة وتستمر بالقفز إلى الأعلى لتدل على الحيوية والنمو وتعود لتهدأ من جديد مع اصدار أصوات وحركات وجدانية تعيد الفلسطيني إلى جذوره الأولى وتدعم تلاحمه واستمراره في الصمود والبناء. كما يشير السير الهادئ إلى الاستعداد بينما دق الكعب يشير إلى الثقة والصمود والقوة في اثبات الذات .

لم تسلم رقصة الدبكة المعروفة بأصالتها الفلسطينية من السرقة الاسرائيلية فقاموا بتحويل الدلعونا إلى اللكنة العبرية بنغمتها الموسيقية فألبسوها الثوب اليهودي إلا أنهم مهما فعلوا ستبقى الدبكة تخدم المقاومة والقضية في كل المحافل الدولية والعالمية .

انتهز العدو الصهيوني الصمت الدولي تجاه ممارساته التعسفية فعاث في فلسطين فساداً فدمّر معظم البنية التحتية للمدن والقرى الفلسطينية ولم تسلم منه المراكز الثقافية والمؤسسات بما فيها محطات الإذاعة والتلفاز وصالات العرض ما انعكس على الحياة الثقافية في فلسطين فجمدها وأوقف تطورها .

من كل ما سبق يجب العمل على ابتكار أساليب فنية جديدة وطرق آداء متميز ومتنوع في العمل على تطوير الأدب الشعبي مع المحافظة على الخطوط العريضة له، والاعتماد على أعمال تراثية قديمة في عملية توثيق الأغاني والأناشيد الشعبية وحفظها ومن ثم تقديمها للطفل الفلسطيني، وهذا يحتاج لجهد ومتابعة وصبر فإن أحد مصادر التراث هو الأشخاص المعمرين من الرجال والنساء وهم يجدون صعوبة في تذكر دقيق للمارسات القديمة أو تذكر أغنية بشكل كامل وتذكر أسماء الأماكن والألعاب وأحيانا يمكن أن تكون معلوماتهم خاطئة في محاولات تحدي الذاكرة