post

 

عشية المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث العربي الاشتراكي في حزيران (2005)كان ثمة ارتباك وتردد حول الهوية الاقتصادية التي بات ينبغي علين اختيارها نهائياً في ضوء الظروف والمتغيرات المحلية والدولية التي جعلت من اقتصاد السوق ضرورة لا بد منها .

والسؤال المطروح ها اقتصاد السوق الاجتماعي خيار وسط بجمع بين ميزات الاقتصاد الحر (الليبرالي ) من جهة والاقتصاد المخطط المركزي من جهة أخرى ؟وهل يستبعد مساوئ الطرفيين أم أنه طريق ثالث يحاول الاحتفاظ يكل ما حصل عليه السوريون من مكاسب خلال العقود الاربعة المنصرمة أم أنه محاولة تفتح باب المبادرة والاجتهاد والارتقاء بالاقتصاد شاقوليا ًوفي هذا السياق هل هذا يعني التوازن بين ما هو مخطط وما هو حر أم أنه تكامل بينهما؟

وفي سياقِ آخر هل يعتبر اقتصاد السوق الاجتماعي ايديولوجياً أو نظرية تبحث عن مرتسمات لها في السياسة والاقتصاد والمجتمع وتنظيم الدولة أم أنه برنامج عمل لمرحلة ٍجديدة تتم فيعا محاسبة على أخطاء ارتكبت وتراكمت غي الماضي ؟

هل نستطيع أن نتبنى نموذجا اقتصاديا يمكن أن يكون قد نجح في دولة ما (كاليابان أو الصين أو اسكتلندا )لها وضعها الخاص من حيث البنية الفكرية والتنظيمية والسياسية والاقتصادية بغض النظر عن البنية التحتية الاجتماعية والاقتصادية التي تحكم سيرورتنا التاريخية والقيم الاجتماعية التي تدفع بالفرد الى الالتزام بدفع الضرائب العالية على المداخيل ضمن نظام عادل ومتكافئ بعيداً عن المحاباة تطبيقا ًبعيدا تطبيقاً لتشريعات يخضع لها الجميع بهدف تحويلها ألى مشاريع دولة الاستثمار الاجتماعي والتأمين والتكافل الاجتماعي .

وقبل الحديث عن أي منظومة اجتماعية لابد لنا من وصف دقيق لواقع الاقتصاد السوري الذي يعاني من مشكلة وجود طبقة من الفقراء وبعض الفئات الاجتماعية المحرومة مع معدل بطالة مرتفع وأعداد كبيرة من المتدفقين إلى سوق العمل بالإضافة إلى الخلل في توزيع الموارد جغرافياً مع مستوى متدنٍ من الخدمات الاجتماعية في كثير من المناطق وفي هذا الاطار لا بد للذهنيات العاملة في الاقتصاد بالإضافة إلى ذهنية المنتج والمستهلك والمستثمر أن نفكر بطريقة عملية وعلمية لإنجاح هذا النموذج الاقتصادي الذي تم تبنيه بعد المؤتمر القطري العاشر مع العلم أن بغض الاقتصاديين قد خلط بين اقتصاد السوق بالاقتصاد الحر الليبرالي والذي هو نتيجة النظام الرأسمالي الذي كتب فيه أدم سميث وبذلك باتت الأمور أكثر إلحاحا لتطوير عمل القطاع العام وإحياء عمل القطاع الخاص مع برامج تمويل داخلية تحمي القطاعات كافة والدولة تتحمل المسؤولية كأي رب عمل ضمن خطة وطنية استرتيجية لدفع عجلة النمو نحو الأمام .

وفي هذا السياق نرى أن اقتصاد السوق الاجتماعي ليس جمعا جبرياً من اقتصاد السوق الذي يعني في جوهره تحرك قوى السوق باتجاه الأقوى من خلال تحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح عن طريق الية العرض والطلب والمنافسة والاحتكار دون اعتبار للبعد الاجتماعيوبين الاقتصاد الاشتراكي (المجتمعي) الذي تبنته بعض الأنظمة والقائم على سيطرة الدولة على مناحي الاقتصاد والسياسة وتربط الانتاج والتوزيع والاستثمار والادخار برأسمالية الدولة .

إن اقتصاد السوق الاجتماعي نهج جديد يقوم على التنافسية الشريفة بين القطاعين الحكومي والخاص على أساس تأمين حاجة المواطن وضمن علاقات إنسانية متساوية وهذا يتطلب أن تتحول الحكومة من جهة وصائية إلى جهة تنموية بتدخل مباشر أو غير مباشر عن طريق سياسات مالية واقتصادية واستثمارية وضريبية من خلال قطاع عام إنتاجي وتسويقي وخدمي ..

إن معوقات نجاح اقتصاد السوق الاجتماعي في القطر العربي السوري موجودة نت خلال فاعلية القطاع العام المنافس الذي يعاني في الحقيقة من خلل ولكن يمكن معالجته وإعادة تفعيل دورة كما كان في السابق وذلك من خلال إعطاء الإدارة كل الصلاحيات المالية والإدارية التي يستطيع بموجبها المدير أن يتصرف بكل حرية من تعيين وأبرام عقود داخلية وخارجية بعيداً عن البيروقراطية حتى يتمكن من إصلاح وتنظيم المؤسسة في الوقت المناسب مع محاسبته أذا قصر ومكافأته إذا أبدع

ليكون منافساً حقيقياً للقطاع الخاص  ولابد من الوقوف عند الرعاية الأبوية للدولة التي تم بموجبها تعيين أعداد هائلة من العمال بدون عمل حقيقي تولوا بدورهم إلى جيش من العاطلين عن العمل مما سبب بطالة مقنعة تم فيها هدر الوقت والمال وأصبحت الإتكالية والمحسوبيات وعدم الإبداع هي ملامح القطاع العام فليس هناك اقتصاد حقيقي وتنمية وربح مع الرعاية الأبوية ولن يكون هناك منافسة حقيقية مع القطاعات الأخرى في المستقبل ..

من جانب آخر أن المناخ الاستثمار مناسب لزيادة فعالية القطاع الخاص من خلال التعديلات التشريعية لقوانين الاستثمار فالوطن بحاجة لكل من القطاعيين وليس تهميش دور أحدهما بالإضافة إلى القطاع المشترك والقطاع التعاوني ويمكن لنا أن نفعل دور القطاع الخاص بدون اللجوء إلى خصخصة القطاع الحكومي بما يتناسب مع الخطة الخمسية العاشرة وجوهر اقتصاد السوق الاجتماعي عبر انتقال مدروس ضمن تخطيط مركزي للوصول إلى التخطيط التأشيري

دون الوقوف عند الاقتصاد الحر الليبرالي (الرأسمالي ) والذي يعتمد المنافسة غير الشرعية والاحتكار وبالتالي يسبب الموت البطئ للقاع العام .

إن اقتصاد السوق الاجتماعي يسجل بداخله أركان العمل الثلاثة (الدولة – أرباب العمل –العمال وهناك تناغم كبير بين هذا الاقتصاد والتخطيط وإن الأسواق القوية توجد في أحضان دولة قوية .لقد انطلق المؤتمر القومي السادس في عام 1963 من مفهوم الاشتراكية بمفهومها التقليد وتبنى الحزب هذه النظرية التي لم تكن لتنسجم مع واقعنا الاقتصادي والاجتماعي من خلال وجود قطاع عام وحيد مسؤول عن التنمية والانتاج والتوزيع مع إهمال القطاعات الأخرى التي لم تدخل العملية الإنتاجية بشكل فعلي وكان لابد بعد مايقارب (46)عاماً من رؤية بنيوية لنظام اقتصادي يعبر عن واقعنا الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في سورية متمثلاً باقتصاد السوق الاجتماعي الذي يعطي لكل القطاعات حرية العمل لبناء سوريا الحديثة ولخلق توازنات اقتصادية ومعدلات نمو مرتفعة وهذا ما عبر عنه السيد الرئيس بشار الأسد في أكثر من مناسبة وترجمة على أرض الواقع .

وفي النهاية لابد لنا من وقفة تحليلية موضوعية لمفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي الذي أثار لغطاً كبيراً لدى الكثير من المهتمين بالحقل الاقتصادي ليتسنى لكل مواطن معرفة هذا المفهوم وكيفية تطبيقه بما يحقق التنمية المستدامة والرفاهية لكل أفراد المجتمع ضمن رؤية جديدة لحزب البعث العربي الاشتراكي