post

الدكتور خالد كعكوش

 

بعد أن كان رئيساً لبلدية إسطنبول وصل رجب طيب أردوغان للحكم في العام 2003 كرئيس لوزراء تركيا. ومنذ ذلك اليوم ارتبط اسمه بشكل كبير بالتناقضات والمراوغة والكذب والادعاء.

فبعد تحول شعار وزير خارجيته أنذاك أوغلو من صفر مشاكل مع الجيران إلى علاقات سيئة مع غالبية جيران تركيا، وخلال سنوات قليلة تطور تصاعدياً تردي العلاقات مع الجيران لينتقل إلى تردي علاقات تركيا مع غالبية الدول العربية والإتحاد الأوروبي.

بعد انتهاء ولايته الأخيرة في رئاسة الحكومة التركية تمكن أردوغان من تولي رئاسة تركيا، ليحقق قبيل انتهاء ولايته الرئاسية الاولى حلمه بتغيير نظام الحكم التركي من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي التنفيذي ليضمن استمراريته في الحكم بصلاحيات تامة.

حقق أردوغان مبتغاه بالوصول لنظام رئاسة تنفيذية عبر تشكيله لتحالف سياسي مع حزب الحركة القومية اليميني في العام 2017، تمكن من خلاله من وضع التغييرات الدستورية، ليتم فيما بعد قبول تلك التغييرات باستفتاء دستوري.

بدأ نظام الحكم الجديد رسمياً بعد الانتخابات العامة لعام 2018، حيث أعيد انتخاب أردوغان والتحالف الشعبي الجديد لحزب العدالة والتنمية – حزب الحركة القومية. ومنذ ذلك الحين هيمن أردوغان على القرار التركي بالكامل.

في بداية الحرب على سورية نصّب أردوغان نفسه طرفاً فيها فاتحاً حدود بلاده الطويلة مع سورية للإرهابيين، الذين وصلوا إلى سورية عبر تركيا من مختلف بقاع الأرض. حيث تشير الأحصائيات إلى عبور ما يزيد عن سبعين الف إرهابي للحدود من تركيا الى سورية. لم يكتفي أردوغان بالسماح للمقاتلين الأجانب بالعبور الى سورية لا بل نظم هيكليتهم، وزودهم بمختلف أنواع الأسلحة.

مارس أردوغان خلال سنوات الحرب التسع شتى أنواع الكذب والخداع على الشعب السوري. فهو إدعى من البداية أنه سيحمي الشعب السوري وسيدافع عن حقوقه، وغرر بالملايين من السوريين الذين لجأو إلى تركيا، وتاجر بقضيتهم الإنسانية. وإستخدمهم كورقة ضغط سياسية بشكل يجافي كل المعايير والضوابط الخاصة بحقوق الانسان.

الأهم بالنسبة لأردوغان في موضوع اللاجئين السوريين أن بلاده حققت من ورائهم مكاسب مادية وإستراتيجية ضخمة، وتاجرت بهذا الملف سياسياً وحققت من ورائه مكاسب كبيرة.

لجأ أردوغان إلى إبتزاز الجانب الأوروبي، والضمير العالمي بالإعلان عن عدم منع اللاجئين من محاولة دخول القارة العجوز. ولكن أردوغان لم يكتف بدفع ألاف اللاجئين إلى الحدود اليونانية، إنما طاردتهم سلطات حكومتة في إسطنبول وأجبرتهم على الرحيل إما إلى مدن صغيرة لا يستطيعون فيها تأمين قوت يومهم، أو ترحيلهم قسراً إلى مناطق غير آمنة في سورية. ونشر آلاف العناصر الأمنية على الحدود مع اليونان لمنعها من رد هؤلاء اللاجئين، بحيث أصبح الآلاف منهم حبيس الحدود بين البلدين.

أتى ذلك كله مؤخراً بعد خسارة جيشه وحلفاؤه من الإرهابيبن لمناطق كبيرة جداً من مساحة محافظة إدلب أمام تقدم الجيش السوري، واستعادة السيطرة على الطريق الدولي دمشق حلب. ما دفعه لإعادة استخدام ملف اللاجئين في محاولة لابتزاز الأوروبيين عبر ترهيبهم بقضية هؤلاء واستعطافهم في آن واحد.

يمارس أردوغان ضغطاً قوياً على الأوروبيين لدعم موقفه المتراجع في إدلب، وهو الأمر الذي عبر عنه وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لو دريان حين اتهم تركيا بممارسة الابتزاز في مسألة اللاجئين، واشار إلى أن أوروبا لن ترضخ لهذا الابتزاز وأن حدودها ستظل مغلقة أمام المهاجرين الذين ترسلهم أنقرة.

أما رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، فقد كان أكثر صراحة ومباشرة حين قال إن تركيا أصبحت مهرباً رئيسياً للبشر، وأن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يستغلهم لصرف النظر عن الملف السوري. وقال ميتسوتاكيس في مؤتمر صحفي أن لا أزمة في أعداد اللاجئين على الحدود التركية اليونانية مؤكدا أن الرقم الذي يسوقه أردوغان حول عددهم هو أقل بكثير من الرقم الحقيقي.

يثبت أردوغان يوماً بعد يوم أنه شخصية قذرة وانتهازية، ليس إلا تاجر رقيق بمنصب رسمي. فهو من جانب يقوم بتذكير أوروبا بالقيم الإنسانية بينما في الجانب الأخر هو من يتجاهلها عبر دفع اللاجئين للموت على الحدود اليونانية. والمفارقة الكبرى باتهام الاتحاد الأوروبي باستخدام المهاجرين كأدوات سياسية والسماح بانتهاك القانون الدولي بعدما قال وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي إنهم سيعملون على منع الهجرة غير الشرعية إلى التكتل‪.

يذكر في هذا السياق أن الاتحاد الأوروبي وتركيا وقعوا في العام 2016 اتفاقا يهدف للحد من تدفق اللاجئين إلى أوروبا بشكل غير شرعي، مقابل منح أنقرة ستة مليارات يورو، لتوفير الحاجات الأساسية للاجئين على أراضيها