بقلم الباحثة نجلاء الخضراء

يقول منير الكيال (اجتمعت لشهر رمضان من الخصائص مالم تجتمع لغيره من أشهر السنة مجتمعة ولم نعرف شهرا وصفوه بالمبارك والكريم غير شهر رمضان وله بين الشهور طابعا أسمى وأدبا أمثل ومكانة أجل وأسمى وكان شهر رمضان شهر مقدس عند العرب قبل الإسلام) يظهر لنا مما سبق ان لرمضان قدسية عربية قديمة سبقت الإسلام فهي ليست قدسية إسلامية خاصة وفريدة فإن بحثنا في كتب التراث نجد ان عبد المطلب جد الرسول علية الصلاة والسلام وقد كان حنيفيا كان يقدس هذا الشهر ويعظمه ويلزم فيه غار حراء ويتحنث (يتعبد) فيه ويتصدق ويطعم الطعام كما ينقل لنا التاريخ أن زيد بن عمرو بن نفيل عم عمر بن الخطاب كان يمارس نفس التقديس للشهر الفضيل . ولم يكن هذان الشخصان هما المتأثران الوحيدان بهذا التقديس لشهر رمضان بل كان عامة العرب في الجاهلية يقدسونه ويعظمونه ويمتنعون عن الطعام والشراب فيه ويكادون يحرمون القتال فيه كالأشهر الحرم ويمتنعون عن الكلام والنساء والسكون والانعزال عن الناس والتدبر في ملكوت الخلق. وقد جاءت فريضة الصوم في القرآن الكريم منصوصا عليها صراحة بأنها شريعة الأمم السابقة قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) وهناك الكثير من الديانات والشرائع القديمة تعتمد صيام رمضان ضمن طقوسها الدينية كالصابئة والمندائية (وهم من أتباع الديانة الابراهيمية الموحدة وهم يتبعون أنبياء الله آدم ونوح ويحي بن زكريا) فكانوا يصومون ثلاثين يوما مبتدئين الشهر بظهور الهلال ومنتهين إياه بظهور هلال الشهر الجديد وكانوا يعيّدون بعد انتهاء الشهر بعيد يسمونه عيد الفطر كما أنهم كانوا يصومون من الفجر إلى الغروب . ذكر القرطبي في جامعه أن الله كتب على اليهود والنصارى صوم رمضان فغيروا فيه وزاد أحبارهم عليه وقلبوا فيه بين الشتاء والصيف فكانت شريعة الصوم من أقدم تشريعات الديانة اليهودية بعد تقديم القرابين في الهيكل التي اختفت اليوم، ويتسع مفهوم الصيام كثيرا عند اليهود بسبب اجتهاداتهم في ايجاد أنواع منه يرتبط جلها بالحدث التاريخي وبما أفرزته عقيدتهم العدائية تجاه الأمم التي عاصروها أو عايشوها ، ومن أنواع الصيام لديهم صيام الصمت وهذا النوع مذكور في القرآن الكريم ويعد من الأوامر الإلهية وهو معروف في الديانات القديمة وليس له وقت محدد وهو استغراق الصائم في صمته ضاربا على نفسه ثوب التوبة من الخطايا والندم على ما اقترفه اللسان من بذيء الكلام وفاحشه ، وقد أشار القرآن الكريم إلى صيام الصمت في عدد من الآيات منها:( اني نذرت للرحمن صوما فلن اكلم اليوم انسيا) وذكر أيضا في التوراة : (ارتعدوا ولا تخطئوا تكلموا في قلوبكم على مضاجعكم) يقول الطبري في صاحب الدر المنثور: أما الذين من قبلنا فالنصارى كتب عليهم رمضان وكتب عليهم ألا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم ولا ينكحوا فاشتد على النصارى صيام رمضان وجعل يتقلب عليهم في الشتاء والصيف فلما رأوا ذلك اجتمعوا فجعلوا الصيام في الفصل بين الشتاء والصيف وقالوا نزيد عشرين يوما نكفر بها ما صنعنا فجعلوا صيامهم خمسين . تتفق الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية والكاثلوكية في تشريع الصوم الكبير باعتباره أهم وأعم أنواع الصيام وفيه يمتنعون عن اكل اللحوم والألبان والبياض كالبيض واللبن والجبن والحليب والزبد، ويرى فريق من النصارى أن السيد المسيح لم يفرض عليهم صياما إلا الصوم الكبير أما الصيام عند المسلمين فيبدأ برؤية هلال شهر رمضان وينتهي بظهور هلال الشهر الجديد. وفيه يصومون عن الملذات الثلاث وهي الطعام والشراب والجماع في أوقات الإمساك والترخيص بها في أوقات الإفطار وقد راعى الإسلام ذوي الاعذار فأباح لهم الإفطار ومن طقوس شهر رمضان قيام لياليه والاعتكاف في المساجد في اواخره حملا للنفس على التذكية وترغيبا في أعمال الخير لم يكن رمضان يعرف بهذا الاسم في الجاهلية ففي لغة العرب العاربة كان يسمى تاتل ومعناها اغترف الماء من البئر أو العين كما أطلق على شهر رمضان اسم آخر وهو زاهر وقيل في هذه التسمية ان هلاله كان يوافق ازدهار النبات في البادية عند العرب، ثم تغيرت أسماء الشهور القمرية قبل الإسلام بحوالي مائتي عام وكانت القاعدة التي وضعوا عليها أسماء الشهور مستمدة من واقع الظروف الاجتماعية والمناخية تبعا للأزمنة التي وقعت فيها هذه الشهور حسبما اقترح كلاب بن مرة وهو من قريش والجد الخامس للرسول عليه الصلاة والسلام فهو صاحب تسمية الشهور القمرية الحالية ومنها رمضان عندما كان مجيئه في الحر وشدته وهو ما يسمى بالرمضاء فسمي رمضان. غير أن فريقا آخر رفض ارتباط رمضان بشدة الحر لأن رمضان لا يثبت مجيئه في الصيف بل يتعاقب مجيئه في أوقات العام المختلفة خلال الفصول الأربعة وذلك لأنه من الشهور القمرية وليس الشمسية وعلى هذا فاشتقاق اسم رمضان يكون من الرمضاء بمعنى الحر ولكن المقصود هنا حر الظمأ لا حر الصيف وحران في اللغة معناها ظمآن، يستوي في ذلك أن يكون حر الظمأ في أي فصل من فصول السنة وهذا التفسير الأقرب إلى المنطق. قيل سمي رمضان لأنه يحرق الذنوب، وقيل أنه رمضان لأن القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة والتفكير من حر الآخرة كما يأخذ الرمل والحجارة من حر الشمس، وقيل رمضان من رمضت المكان يعني احتبست لأن الصائم يحتبس عما نهي عنه، وكل هذه التفسيرات إسلامية بالرغم من أن التسمية سبقت الإسلام.